قتل وتهجير.. الأرض الهدف النهائي لعنف المستوطنين في حُوارة وجاراتها | سياسة

نابلس- في اللحظة التي كان فيها مستوطنو “يتسهار” يهاجمون بلدة حوارة ويعتدون على أهلها وممتلكاتها ويرقصون بشوارعها ليلة الأربعاء الماضي، هاجم آخرون من المستوطنة ذاتها الحاج المسن داود الصفدي (أبو حسن) من قرية عوريف واقتادوه معتقلا معهم.

لم يتوقف عنف المستوطنين يوما بحق القرى الجنوبية لمدينة نابلس، لكن منذ عملية حوارة قبل نحو أسبوعين، أخذت الاعتداءات منحى جديدا من التصعيد هدفه القتل والتهجير، حسب مراقبين.

ومن بضع عشرات إلى مئات وآلاف، أصبح المستوطنون يشنون عدوانهم مستخدمين -إضافة للسلاح- أدوات أخرى تعكس بشاعة إجرامهم وتعمدهم قتل الفلسطينيين، كالمواد السريعة الاشتعال (البنزين) وإطارات المركبات، ويتبعون ذلك بالاحتفال والرقص وتوزيع الحلوى لجيش الاحتلال، وهو ما أظهرته مقاطع مصورة انتشرت على مواقع التواصل.

ولم تكتف إسرائيل بمصادرة نحو 3 آلاف دونم من أراضي حوارة لصالح مستوطنات “يتسهار” و”جفعات رونين” والشارع الالتفافي الاستيطاني الجديد الذي شق أراضيها نصفين، بل جعلتها ثكنة عسكرية بنشر 15 برجا عسكريا وعشرات الحواجز المتحركة.

قرار سياسي

“احتدت انتهاكات المستوطنين، وتميَّزت بحماية جيش الاحتلال ودعمه، وتجاوزت المنازل والممتلكات إلى المواطنين أنفسهم، خاصة المناطق الشمالية والغربية للقرية”، حسب ما يقول رئيس بلدية حوارة معين ضميدي.

ويضيف ضميدي للجزيرة نت أن “مجزرة حوارة” تسببت في خسارة تجاوزت 6 ملايين دولار، لكن الأخطر كان طابعها العدواني والانتقال من تخويف المواطنين وترهيبهم إلى محاولة قتلهم مباشرة، وبالتالي تهجيرهم وتحقيق الهدف الأساسي للاستيطان في حوارة.

وما يجري على الأرض -يضيف ضميدي- هو التطبيق الفعلي لدعوة بتسلئيل سموتريتش وزير المالية الإسرائيلي وقادة من متطرفي المستوطنين لمحو حوارة، متابعا أن “القرار سياسي اتخذته الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، والمنفذ هم المستوطنون، والحماية من جيش الاحتلال”، مرجحا أن القادم سيكون أشد خطرا وفتكا بالمواطنين العُزَّل.

 

قتل وتهجير

في هذا السياق، تواجه قرية عوريف -المجاورة لحوارة- عنفا متصاعدا من مستوطني “يتسهار”، مثلما حدث أمس الأربعاء بعدما اعتَقل حارس المستوطنة ومعه جنود الاحتلال الحاج داوود الصفدي (75 عاما)، وأحرقوا جراره الزراعي، ليقوم بعدها نحو 60 مستوطنا بمهاجمة الأهالي داخل مساكنهم.

ويقول كمال شحادة -الناشط في مقاومة الاستيطان في عوريف- إن المستوطنين صادروا أكثر من 1500 دونم من القرية، ويخططون لخلق مناطق تماس ومناطق آمنة وعسكرية بعمق 500 متر تمتد لوسط القرية، وتصادر آلاف الدونمات الأخرى من المناطق المصنفة “ب” الخاضعة للسيطرة الأمنية والإدارية للسلطة الفلسطينية.

ولم يجد شحادة غير “القتل والتهجير” تفسيرا لممارسات المستوطنين، التي باتت تكرِّس لسلوك عدائي جديد ومختلف كان هدفه أبعد من الاستيلاء على الأرض، وهو ما ظهر في هجوم الأمس، مؤكدا أنه ليس أمامهم سوى التصدي للمستوطنين ولافتا إلى أن لجان الحراسة باتت تعمل بقوة.

ما خلص إليه شحادة يؤكده مسؤول ملف الاستيطان بشمال الضفة الغربية غسان دغلس، وهو أن المرحلة الآن باتت تتطلب من الفلسطينيين “الهجوم وليس الدفاع” لردع المستوطنين، وأن هذا التصدي يشارك فيه الجمهور الفلسطيني.

ويقول دغلس للجزيرة نت إن القضية تعدت اليوم مصادرة أرض وبناء كرفان إلى مرحلة أخطر عنوانها “القتل والترحيل للفلسطينيين، ومعهم ضوء أخضر حكومي بذلك”، مضيفا أن المستوطنين عنونوا المرحلة القادمة من التصعيد بالتخويف والإرهاب، ولهذا كثَّفوا هجماتهم وباتوا ينفذونها بشكل جماعي، حيث شنوا 680 اعتداء في نابلس وحدها منذ بداية العام فقط.

تحرك للمواجهة

وحول ما أظهرته مقاطع فيديو للمستوطنين وهم يرقصون رفقة جيش الاحتلال في حوارة، ويقدمون لهم الحلوى والطعام، يؤكد دغلس أنهم باتوا يعيشون حالة انسجام غير مسبوقة مع الجيش، ورجح أن منطقة حوارة ومحيطها ستكون أشد وقعا خلال هذه المواجهة، كون أن “يتسهار” يسكنها قيادة المستوطنين المتطرفين المعروفين بـ”جماعة تدفيع الثمن”.

ما يجري ليس رد فعل، بل جزءا من مخطط يرمي إلى الاقتراب من موعد الضم، وذلك بسبب وجود تطرف المستوطنين وحكومة أشد عداء وتطرفا من سابقاتها، واعتقاد هذه الحكومة الجازم وتصورها أنها قادرة على حسم الصراع بالضفة الغربية ومناطق “ج” بشكل أساسي، حسب هاني المصري مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات).

ولهذا، يضيف المصري أن هجمات المستوطنين صارت شبه يومية ومتنوعة بين الحرق والضرب في حوارة، ومن الممكن أن تصل لمجازر بمناطق أخرى، إذا لم يقم الفلسطينيون بردود فعل جادة شعبيا ورسميا وتنظيميا.

 

 

وقال إن ما جرى في حوارة كان يتطلب رد فعل أكبر فلسطينيا، يصل إلى تدخل القيادة الرسمية ممثلة في الرئيس محمود عباس شخصيا، وأن تضع السلطة الفلسطينية كل إمكاناتها لحماية الشعب، وأن تفعل لجان الحماية الجماهيري على مدار الساعة وأن تساعد بكل الإمكانات، “لخلق حالة ردع محلية قوية ضد المستوطنين تتعاطى معها المواقف الدولية بشكل جدي”.

ويرى المصري أن تصعيد المستوطنين في حوارة والمناطق الشمالية للضفة الغربية نابع من اعتقادهم أن “يهودا والسامرة” هي أساس المملكة اليهودية، وأن حوارة تحديدا باتت أنشط في التصدي لعربدة المستوطنين ومقاومتهم، خاصة بعد قضية “رفع العلم الفلسطيني” بشارعها الرئيسي قبل 8 أشهر.

ويكمن خطر المستوطنين الآن -برأي المصري- في مبادرتهم بالاحتكاك بالفلسطينيين والهجوم عليهم، وأن هذا مرده إلى أن “المستوطن الديني المتطرف” لم يعد حالة هامشية في إسرائيل، بل أصبح جزءا أساسيا من الحكم وتغلغل في الكنيست (البرلمان) والمؤسسات الرسمية والجيش.

ويقول المصري إن “40% من ضباط الجيش الإسرائيلي يؤيدون الصهيونية الدينية، وأن 2 من كل 10 من الإسرائيليين انتخبوا الصهيونية الدينية”.