مشروع الاستفتاء على الدستور في مالي.. مخرج للأزمة أم وجه آخر لها؟ | سياسة

بين الحالة الأمنية المضطربة وغياب الثقة بين قيادة الانقلاب والأحزاب السياسية، وعدم اليقين الذي يعيشه الماليون لعوامل داخلية وخارجية تتجاذب توجيه دفة البلاد، والرغبة في العودة للحياة الدستورية، تسلّم قائد الانقلاب والرئيس المؤقت لمالي “آسيمي غويتا” مسودة الدستور الذي ينتظره الشعب لحل مشكلات البلاد المستعصية، على أمل تمريره في الاستفتاء الذي كان مقررا له 19 مارس/آذار الجاري، قبل أن يتم تأجيله لأجل غير مسمى.

وقال الناطق باسم الحكومة وزير الداخلية وإدارة الأراضي، إن الموعد الجديد سيحدد لاحقا بعد التشاور مع الجهات المختصة بتنظيم الانتخابات والفعاليات السياسية، مجددا -في بيانه- عزم السلطة على الانتقال بمالي إلى النظام الدستوري المدني.

وأضاف الناطق باسم الحكومة أن تأجيل موعد الاستفتاء هو لتنظيم عملية الاستفتاء بصورة جيدة، ولضمان توعية الشعب بمشروع الدستور الجديد.

ويعد هذا آخر تغيير في خطة المرحلة الانتقالية في مالي، إذ سبق ذلك تغيير السلطة لموعد إجراء الانتخابات الرئاسية العام الماضي، وتمديد الفترة الانتقالية، مما أدى إلى فرض المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا عقوبات صارمة على السلطة شملت وقف كافة أشكال التعاون.

فهل يكون الاستفتاء قنطرة عبور أم منعطفا من منعطفات البلاد المعقدة؟

الاستفتاء على الدستور يواجه بتحديات أمنية صعبة تشهدها مالي (أسوشيتد برس)

ما سوابق مالي في تجارب الاستفتاء؟

أجري أول استفتاء في مالي عام 1974 بعد انقلاب عام 1968 قام به موسى تراوري الذي أنهى الجمهورية الأولى، وكرّس دستورا رسخ للحكم العسكري في مالي، وذلك بنصه على أن “رئيس الدولة هو رئيس الحكومة وهو المسيطر على كافة مؤسسات الدولة وعلى جميع شؤون البلاد، مع الاعتراف بحزب وحيد في مالي”، وظل هذا الدستور حاكما حتى عام 1991.

وجرى استفتاء آخر عام 1992 على الدستور الذي أسّس للجمهورية الثالثة، وهو دستور تبنّى التعددية السياسية والحريات والانفتاح، كما يؤرخ للتحول الديمقراطي في مالي على أساس التداول السلمي للسلطة.

 

 

ما أبرز ملامح الدستور الجديد؟

يوم 27 فبراير/شباط الماضي، تسلّم العقيد آسيمي غويتا -الذي أعلن نفسه رئيسا “للجنة الوطنية لإنقاذ الشعب” والرئيس المؤقت للبلاد – النسخة النهائية لمسودة الدستور الجديد، من اللجنة المكلفة بإدارة الدستور الذي يتكون من 29 صفحة، وجاءت أبرز ملامحه وفق الصحف الرسمية والخاصة في مالي، كما يلي:

  • يؤكد مشروع الدستور وحدة الدولة المالية وطابعها العلماني وينص على إنشاء مجلس أعلى للأمة يعادل مجلس الشيوخ.
  • يعزز سلطة الرئيس ويمنحه الحق في تحديد سياسة الأمة، الذي كان سابقا من مسؤوليات رئيس الوزراء، كما يمنحه سلطة تعيين رئيس الوزراء وإقالته.
  • تكون الحكومة مسؤولة أمام الرئيس، وليس أمام الجمعية الوطنية.
  • ينص الدستور على أن اللغات الوطنية هي اللغات الرسمية لمالي، والفرنسية هي لغة العمل. وفي السابق كانت الفرنسية هي لغة البلاد الرسمية، ويجوز للدولة أن تعتمد أي لغة لتكون لغة عمل.
  • يمنح الدستور حق اقتراح القوانين للرئيس ضمن اختصاصاته.
  • لا يسمح للرئيس بالترشح بعد حكم فترتين تحت أي ظرف.

ما الإجراءات التمهيدية التي قامت بها الحكومة المؤقتة؟

  • عقدت السلطات المالية سلسلة مشاورات مع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني لمناقشة مختلف جوانب التحضير للاستفتاء الدستوري والانتخابات التي تليه، كما دعت لاجتماع تحضيري للتفاكر بشأن الاستفتاء.
  • اعتماد تعديلات على قانون الانتخابات تشمل إنشاء فروع إدارة الانتخابات، وإدخال بطاقة هوية وطنية “بايومترية” لتكون بمثابة بطاقة تصويت، والسماح بالتصويت المبكّر.
  • إحراز تقدّم ملحوظ في نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج.
  • إنشاء لجنة متخصصة لحل القضايا العالقة بشأن دمج كبار مسؤولي الحركات الموقّعة على السلام داخل مؤسسات الدولة.

ما مواقف القوى المختلفة من مشروع الدستور؟

مع الرفض الذي جوبهت به النسخة الأولى من مشروع الدستور التي قُدمت أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تنظر القوى السياسية في مالي بنوع من الريبة إلى مصداقية من تصفهم بـ”الانقلابيين” في تحقيق مسار العودة إلى الحكم المدني.

ولعل ما يدلل على ذلك هو أن 50 حزبا فقط استجاب لدعوة الحكومة من بين 281 حزبا وُجهت إليهم الدعوة وطلبت اقتراحاتهم، ولكنها تتعامل معه برؤى مختلفة، وفقا لصحيفة “رافيل داكار” السنغالية، ومن أبرز الأحزاب الرافضة لمشروع الدستور:

  • رابطة الأئمة والعلماء: كانت أول الرافضين لمشروع الدستور الجديد، ودعت أتباعها إلى رفض الدستور الذي يوضع تحت قيادة المجلس العسكري، واعترضت على “علمانية الدولة” وطالبت باستخدام عبارة “دولة متعددة الطوائف” عوضا عنها، ودعت جميع الوطنيين المسلمين للتصويت ضد المشروع بشكله الحالي.
  • حزب المؤتمر الوطني للتضامن في أفريقيا: كان من أبرز المعارضين بقيادة رئيس الوزراء السابق سومانا ساكو. وقال -في بيان له- إن النظام الناتج عن الانقلابات العسكرية في أغسطس/آب 2020 ومايو/أيار 2021 لا يمنح المجلس العسكري شرعية لوضع دستور جديد باسم الشعب.
  • جماعات مسلحة وقعت على اتفاق السلام عام 2015 بالجزائر، وهي حركات من منطقة الأزواد ويرمز إلى اسمها “سي إم إيه” (CMA) وألقت باللوم على المجلس العسكري الحاكم. وجماعات مسلحة أخرى انسحبت من المشاركة في الدستور أساسا بسبب ما سمته “افتقار المجلس العسكري للإرادة السياسية”.
  • تنسيقيات الحركات والجمعيات والمتعاطفون: أصدرت الحركة التي يقودها الإمام المؤثر محمود ديكو تصريحا رافضا تؤكد فيه أن المجلس العسكري ليس لديه اختصاص في تنفيذ الاستفتاء، واعتبرت -في بيان نشرته بوابة “مالي غيت” الإخبارية- أنه ليس دستورا جديدا يمكن أن يساعد مالي على الخروج من أزمتها متعددة الأبعاد.
دولة مالي
غالبية الأحزاب المعارضة لمسودة الدستور الجديد تشكك بشرعية النظام العسكري وجديته في الاستفتاء على الدستور (شترستوك)

متى سيُجرى الاستفتاء على الدستور؟

أعلنت السلطة الانتقالية في مالي تأجيل الاستفتاء وهو ما كانت تتداوله الأوساط السياسية في مالي عن صعوبة إجرائه في 19 مارس/آذار. وفي تبرير تأجيل الاستفتاء، تحدث رئيس السلطة الانتقالية غويتا -في مؤتمر صحفي- عن الحاجة إلى الوقت لتعيين هيئة إدارة الانتخابات في جميع مناطق البلاد والرغبة في تعميم مشروع الدستور الجديد، من دون تحديد الموعد الجديد الذي ستُجرى فيه الانتخابات، لكنه أكد أن تحديده سيكون بالتشاور مع السلطة الانتخابية المستقلة وجميع الفاعلين في العملية الانتخابية. فهل ستتمكن حكومة المجلس العسكري من تجاوز هذه الصعوبات وإعادة البلاد إلى الاستقرار أم يستمر سجال الخلافات ودوامة الاضطرابات دون طائل؟

مما لا شك فيه أن مالي مقبلة على “عام حرج”، كما قال الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة القاسم وان، في ما يتعلق بعبور المرحلة الانتقالية ومواجهة استحقاق الاستفتاء بتحديات عديدة؛ ابتداء بتوفر الموارد المالية، ومرورا بتحسن الأوضاع الأمنية إلى غير ذلك من المتطلبات. فهل ستكون مالي بداية لاستقرار المنطقة أم تستمر حلقة الفوضى وتتسع الفتوق بلا انتهاء؟